يُعدّ قياس جودة الهواء ركيزة أساسية في منظومة حماية البيئة، إذ يوفّر البيانات التي تُبنى عليها قرارات الالتزام البيئي وتقييم الأثر على الصحة العامة والموارد الطبيعية. ويشمل هذا المجال جانبين متكاملين: قياس الهواء المحيط (Ambient Air) الذي يعكس جودة الهواء الذي يتنفسه الناس، وقياس الانبعاثات الصادرة من المصادر الثابتة كالمداخن والمنشآت الصناعية. ويهدف هذا المقال إلى توضيح المفاهيم والطرق المرجعية والمتطلبات النظامية المرتبطة بهذا القياس داخل المملكة العربية السعودية.

ما المقصود بقياس جودة الهواء والانبعاثات
يقصد بـقياس جودة الهواء رصد تراكيز الملوّثات في الغلاف الجوي المحيط ومقارنتها بالحدود المسموح بها نظاماً. أما قياس الانبعاثات فيتناول تحديد كميات وتراكيز الملوّثات الخارجة من مصدر محدد قبل اختلاطها بالهواء المحيط. وتُصنّف الملوّثات المعنية عادةً ضمن مجموعات معروفة تشمل الجسيمات العالقة بأحجامها المختلفة، وأكاسيد النيتروجين، وأكاسيد الكبريت، وأول أكسيد الكربون، والأوزون الأرضي، والمركّبات العضوية المتطايرة. ويجري تمييز كل ملوّث بطريقة قياس مناسبة لطبيعته الفيزيائية والكيميائية.
الطرق المرجعية المعتمدة في القياس
تقوم موثوقية النتائج على استخدام ما يُعرف بالطرق المرجعية (Reference Methods)، وهي إجراءات قياس موحّدة ومعترف بها دولياً تضمن قابلية مقارنة البيانات وتكرارها. وتنقسم أساليب القياس إلى نوعين رئيسيين:
- القياس المستمر: عبر محطات وأجهزة تحليل آلية تسجّل التراكيز على مدار الساعة، وتُستخدم للمراقبة طويلة الأمد للهواء المحيط أو للانبعاثات المستمرة من المصادر الثابتة.
- القياس الدوري بالسحب: حيث تُسحب عيّنة من مجرى الغاز أو الهواء وتُحلَّل مخبرياً وفق بروتوكول محدد، ويناسب هذا الأسلوب التحقق الدوري ومعايرة الأنظمة المستمرة.
وتشترط الطرق المرجعية شروطاً دقيقة تتعلق بموقع أخذ العيّنة، ومعدل السحب، ودرجة الحرارة والضغط، ومدة القياس، وأسلوب المعايرة. كما يتطلب قياس الانبعاثات من المداخن مراعاة اشتراطات هندسية مثل تحديد نقاط السحب على محور المدخنة، وتصحيح النتائج إلى الظروف المرجعية القياسية ومحتوى الأكسجين المرجعي المناسب لنوع النشاط.

الأنظمة والاشتراطات النظامية
ينظّم قياس جودة الهواء والانبعاثات في المملكة إطارٌ تشريعي يقوم على نظام البيئة ولوائحه التنفيذية، إلى جانب اللوائح والمعايير الصادرة عن المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي بوصفه الجهة الرقابية المعنية بمتابعة التزام المنشآت بالمتطلبات البيئية. وتحدّد هذه الأنظمة معايير جودة الهواء المحيط والحدود القصوى المسموح بها للانبعاثات بحسب نوع النشاط والمصدر.
وتلزم الاشتراطات النظامية المنشآت ذات الطابع الصناعي أو الأنشطة المؤثرة على الهواء بإجراء عمليات القياس والرصد وفق برامج معتمدة، وتقديم تقارير دورية توثّق مستويات الانبعاث ومدى مطابقتها للحدود المقررة. كما تُشترط في كثير من الحالات الاستعانة بمكاتب أو جهات معتمدة لتنفيذ القياسات وإعداد التقارير، بما يضمن حياديتها ومطابقتها للطرق المرجعية. ويُنصح بالرجوع دائماً إلى النسخة النافذة من اللوائح والمعايير، إذ تخضع للتحديث الدوري.
خطوات ومتطلبات تنفيذ القياس
يمرّ تنفيذ عملية قياس موثوقة بمراحل مترابطة يمكن إجمالها فيما يأتي:
- التخطيط وتحديد النطاق: حصر المصادر والملوّثات المستهدفة، وتحديد ما إذا كان القياس للهواء المحيط أم للانبعاثات، واختيار الطريقة المرجعية المناسبة لكل ملوّث.
- إعداد نقاط القياس: التأكد من توافر منافذ سحب مطابقة للاشتراطات الهندسية في المداخن، أو تحديد مواقع محطات الهواء المحيط بما يمثّل المنطقة المدروسة تمثيلاً صحيحاً.
- معايرة الأجهزة: إجراء المعايرة باستخدام غازات مرجعية وأنظمة موثّقة قبل القياس، والتحقق من صلاحية شهادات المعايرة.
- تنفيذ القياس: جمع العيّنات أو تشغيل أجهزة التحليل وفق المدة والظروف المحددة، مع توثيق الظروف التشغيلية للمصدر أثناء القياس.
- التحليل ومعالجة البيانات: تحليل العيّنات مخبرياً عند الحاجة، وتصحيح النتائج إلى الظروف المرجعية، ومقارنتها بالحدود النظامية.
- إعداد التقرير: توثيق المنهجية والنتائج والاستنتاجات في تقرير فني يستوفي متطلبات الجهة الرقابية.
وتشترط هذه المراحل توافر كوادر مؤهلة وأجهزة معايرة سارية وسجلّات ضبط جودة تُثبت موثوقية البيانات وقابليتها للتدقيق.

نصائح عملية لضمان جودة النتائج
- اعتمد الطرق المرجعية المعترف بها فقط، وتجنّب الأساليب غير الموثّقة التي قد تُضعف حجية النتائج أمام الجهة الرقابية.
- احرص على انتظام معايرة الأجهزة وصيانتها الوقائية، لأن انحراف الجهاز يؤدي إلى بيانات مضلّلة.
- وثّق ظروف تشغيل المصدر أثناء القياس، إذ إن القياس في ظروف تشغيل غير تمثيلية قد يعطي نتائج لا تعكس الوضع الفعلي.
- احتفظ بسجلّات ضبط الجودة والسلسلة الزمنية للعيّنات لضمان إمكانية التتبّع والمراجعة.
- راجع أحدث اللوائح والحدود المسموح بها قبل كل حملة قياس، وتحقق من متطلبات الاعتماد الخاصة بالجهة المنفّذة.
- خطّط للقياس ضمن برنامج رصد دوري وليس كإجراء منفصل، بما يتيح رصد الاتجاهات ومعالجة أي تجاوز مبكراً.
خلاصة
يمثّل قياس جودة الهواء والانبعاثات أداةً نظامية وفنية لا غنى عنها لضمان الالتزام البيئي وحماية الصحة العامة. وتكمن موثوقيته في الالتزام الصارم بالطرق المرجعية، واستيفاء الاشتراطات النظامية للمركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي ونظام البيئة، وتطبيق منهجية قياس دقيقة موثّقة. ويسهم فهم هذه العناصر في تمكين المنشآت من إدارة أثرها على الهواء المحيط بكفاءة، وتقديم بيانات قابلة للتدقيق تعكس واقع أدائها البيئي.
تقدّم «دار البناء للاستشارات البيئية» خدمة القياسات والرصد البيئي باعتماد المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي. تواصل معنا لمناقشة متطلبات مشروعك والحصول على استشارة.
الملوثات التي يشملها القياس ولماذا
لا يعني قياس جودة الهواء رصد كل ما في الجو، بل التركيز على ملوثات محددة يرتبط كل منها بمصدر ومسار تأثير معروف. وأكثرها تكرارًا في برامج قياس جودة الهواء الصناعية: الجسيمات العالقة بحجميها الدقيق والأدق، وأكاسيد النيتروجين، وثاني أكسيد الكبريت، وأول أكسيد الكربون، والمركبات العضوية المتطايرة، إضافة إلى الأوزون السطحي في بعض الحالات.
واختيار ما يُقاس منها ليس اعتباطيًا بل يُشتق من نشاط المنشأة ومن اشتراطات تصريحها. فمنشأة تعتمد على الاحتراق تختلف قائمة قياس جودة الهواء لديها عن منشأة طلاء أو منشأة معالجة مواد كيميائية، وتوسيع القائمة بلا مبرر يرفع الكلفة دون أن يضيف معلومة مفيدة.
القياس عند المصدر مقابل القياس المحيطي
هناك نوعان مختلفان تمامًا من قياس جودة الهواء يخلط بينهما كثيرون. القياس عند المصدر يُنفَّذ داخل المدخنة أو عند مخرج الانبعاث، ويجيب عن سؤال: كم تنبعث المنشأة؟ أما القياس المحيطي فيُنفَّذ في الهواء الطلق عند حدود الموقع أو في الجوار، ويجيب عن سؤال مختلف: ما الذي يتنفسه من حولنا؟
وكل نوع له اشتراطاته ومنهجه وحدوده المرجعية، ولا يُغني أحدهما عن الآخر. فقد تكون قراءة المدخنة ضمن الحد بينما يُظهر قياس جودة الهواء المحيطي تركيزًا مرتفعًا بسبب تراكم مصادر متعددة أو ظروف جوية تحبس الملوثات قرب السطح. ولهذا تشترط بعض التصاريح النوعين معًا.
أثر الظروف الجوية على النتيجة
تتأثر نتيجة قياس جودة الهواء بالطقس أكثر مما يتوقع كثيرون، وتجاهل ذلك يقود إلى استنتاجات خاطئة. فالرياح تشتّت الملوثات وتغيّر اتجاه انتشارها، والانقلاب الحراري في الصباح الباكر يحبسها قرب سطح الأرض فترتفع التراكيز، والأمطار تغسل الجسيمات فتنخفض القراءة مؤقتًا، والعواصف الترابية ترفع الجسيمات لأسباب طبيعية لا علاقة للمنشأة بها.
ولذلك يجب أن يرافق كل جولة قياس جودة الهواء تسجيلٌ للظروف الجوية، وأن يُفسَّر الارتفاع أو الانخفاض في ضوئها. كما يُنصح بتوزيع القياسات على فترات وظروف مختلفة بدل حصرها في يوم واحد، حتى تكون النتيجة ممثلة للواقع لا للحظة استثنائية.
مواقع أخذ العينات وتوزيعها
يحدد توزيع نقاط قياس جودة الهواء قيمة البرنامج كله. والقاعدة أن تُوزَّع النقاط بحيث تغطي ثلاثة مواضع: نقطة في اتجاه الرياح السائدة خلف المصدر لالتقاط أعلى تأثير متوقع، ونقطة في الاتجاه المعاكس تمثّل الخلفية قبل تأثير المنشأة، ونقطة عند أقرب مستقبِل حسّاس في الجوار.
- تُحدَّد اتجاهات الرياح السائدة من بيانات محطة أرصاد قريبة قبل اختيار المواقع.
- يُبتعد بالنقطة عن العوائق والمباني بمسافة كافية تمنع التأثير الموضعي.
- تُوثَّق كل نقطة بإحداثياتها وصورة لمحيطها.
- تُثبَّت المواقع بين الجولات لتكون المقارنة الزمنية ذات معنى.
وتغيير المواقع بين جولة وأخرى هو أكثر ما يُفقد بيانات قياس جودة الهواء قدرتها على إظهار الاتجاه.
من النتيجة إلى الإجراء
لا ينتهي قياس جودة الهواء عند إصدار التقرير، بل عند اتخاذ قرار بناءً عليه. والنتائج تقود عادة إلى واحد من ثلاثة مسارات: تأكيد الالتزام مع الاستمرار في الرصد، أو رصد اتجاه صاعد يستوجب صيانة وقائية لوحدات التحكم قبل التجاوز، أو تجاوزًا قائمًا يستوجب معالجة فورية وإبلاغًا.
وفي المسار الثالث تحديدًا تظهر قيمة برنامج قياس جودة الهواء المنتظم: فالمنشأة التي تملك سلسلة بيانات تاريخية تستطيع أن تثبت أن التجاوز حالة طارئة لا نمطًا مستمرًا، وأن تحدد بدقة متى بدأ الخلل وما الذي تغيّر في التشغيل حينها. أما المنشأة التي تبدأ القياس بعد ورود الملاحظة فلا تملك ما تقارن به.
الفرق بين الأجهزة المحمولة والمحطات الثابتة
يُنفَّذ قياس جودة الهواء إما بأجهزة محمولة تُنقل بين المواقع في جولات مجدولة، أو بمحطة ثابتة تعمل على مدار الساعة وترسل البيانات آليًا. والمحمول أقل كلفة وأكثر مرونة ويصلح للتحقق الدوري من الالتزام، لكنه يلتقط لحظة زمنية محدودة قد تفوّت ذروة قصيرة.
أما المحطة الثابتة فتعطي سلسلة زمنية متصلة تكشف الأنماط اليومية والموسمية، لكنها تحتاج بنية تحتية وصيانة ومعايرة دورية وميزانية تشغيل مستمرة. والقرار بينهما يُبنى على حجم المصدر وحساسية الجوار وما يفرضه التصريح، لا على تفضيل تقني مجرد لأحد أسلوبَي قياس جودة الهواء.
دورية القياس وكيف تُحدَّد
تُحدَّد دورية قياس جودة الهواء بما ينص عليه التصريح أولًا، فإن لم ينص فبمستوى المخاطرة. المصادر الكبيرة أو القريبة من مستقبِل حسّاس تستحق دورية شهرية أو ربع سنوية، بينما المصادر المحدودة المستقرة قد يكفيها قياس نصف سنوي.
ومن الحصافة كذلك تكثيف قياس جودة الهواء مؤقتًا في ظروف بعينها: بعد تعديل في العملية، أو بعد صيانة كبرى لوحدة تحكم، أو عند ورود شكوى من الجوار، أو في الموسم الذي تكون فيه الظروف الجوية أسوأ للانتشار. هذه القياسات الإضافية تكلف قليلًا وتحمي كثيرًا.
موضوعات ذات صلة بـقياس جودة الهواء
اطّلع أيضًا على: المقاولات والإنشاءات · إدارة النفايات الصناعية · دراسة تقييم الأثر البيئي
وللاطلاع على الاشتراطات الرسمية مباشرة يمكنك زيارة موقع المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي الذي يصدر التصاريح والموافقات البيئية في المملكة.
الأسئلة الشائعة
ما الفرق بين قياس جودة الهواء المحيط وقياس الانبعاثات؟
قياس جودة الهواء المحيط يرصد تراكيز الملوّثات في الهواء الذي يتنفسه الناس ضمن منطقة معينة، بينما يقيس رصد الانبعاثات الملوّثات الخارجة من مصدر محدد كالمداخن قبل اختلاطها بالهواء المحيط. وكلاهما يكمّل الآخر في تقييم الأثر البيئي.
لماذا تُعدّ الطرق المرجعية مهمة في القياس؟
الطرق المرجعية إجراءات موحّدة ومعترف بها تضمن أن تكون النتائج دقيقة وقابلة للمقارنة والتكرار والتدقيق. واعتمادها يمنح البيانات حجية أمام الجهة الرقابية ويقلّل من احتمالات الخطأ الناتج عن أساليب غير موثّقة.
ما الجهة المسؤولة عن الرقابة على الالتزام البيئي في المملكة؟
المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي هو الجهة الرقابية المعنية بمتابعة التزام المنشآت بالمتطلبات البيئية ضمن إطار نظام البيئة ولوائحه التنفيذية، ومنها متطلبات قياس ورصد جودة الهواء والانبعاثات.
ما المتطلبات الأساسية لضمان موثوقية نتائج القياس؟
تشمل المتطلبات الأساسية استخدام الطرق المرجعية المعتمدة، ومعايرة الأجهزة بشهادات سارية، وتوثيق ظروف تشغيل المصدر أثناء القياس، والاحتفاظ بسجلّات ضبط الجودة، وتنفيذ القياس عبر كوادر مؤهلة وفق اللوائح النافذة.
هل يلزم إجراء القياس بشكل دوري أم لمرة واحدة؟
يُفضّل تنفيذ القياس ضمن برنامج رصد دوري وليس كإجراء منفصل، لأن ذلك يتيح رصد الاتجاهات على مدى الزمن والكشف المبكر عن أي تجاوز للحدود النظامية ومعالجته قبل تفاقمه.



